في القرن الماضي كتب المفكر الجزائري مالك بن نبي ، كتابه " شروط النهضة" وتناول فيه بإسهاب موضوع اللباس، وانتهى الرجل إلى مقولة " إن القميص لايصنع القسيس "متناولاً حادثة نزع الطربوش من قبل كمال أتاتورك في مشروعه "التحديثي" التركي في تنكر منه لكل ما له علاقة بالتاريخ العثماني الإسلامي .
لقد اثبتت التجربة أن اختيار الزي ليست عمليةً فرديةً، تتعلق بالذوق الشخصي مهما سمت مرتبة المتذوق في السلّم الإجتماعي (ملك - رئيس - أمير) إنها عملية تتفاعل في تشكيلها العناصر الطبيعية والبشرية ذات بعد تاريخي ثقافي حضاري .
ففي الخليج العربي، لا يزال "العقال" الراسب المتبقي من الحضارة العثمانية، رغم انفكاك العقد السلطاني بين البلدان الخليجية والدولة العثمانية، بل وتخلص تركيا ذاتها من الموروث العثماني بكل بطولاته وأبطاله.
في موريتانيا الحالية شهد الزي التقليدي مراحل عديدة تفاعلت فيها الثقافة الإفريقية الرافد الرئيسي للدراعة بوجه عام وعناصر الطبيعة من تقلبات مناخية وغيرها، وإلى عهد قريب نسبيا كانت الفتاة الموريتانية، حتى في الشمال الموريتاني ذي الغالبية " البيظانية" تلبس الدراعة.
لكن المشروع الحداثي غير الأتارتوركي هذه المرة هو من أوحى للفتاة بخلغ " دراعتها" فلم تعد لــ"تسبكر بين درع ومجول" على رأي امرئ القيس الكندي حتى تلبس "الرومباية" ذات البعد الأوربي الخاص، لكن الدراعة عادت في عهد العولمة تحت اسم " الدراعية" هذه المرة لباسا فاخرا وجميلا ، من قبل نساء في مراحل متقدمة من العمر نسبيا متجاهلات (والتجاهل يليق بهن أحيانا ) أنه "شب عمرو عن الطوق".
الدراعة بالنسبة للرجل قصة ضاربة الجذور في العمق الموريتاني وزي يغالب كل عوامل التحديث.
و أخيرا سيقت مبررات مناخية لكل من "الدراعة" و"الملحفة" في موريتانيا ، ففي المجال الصحراوي ذي المناخ المتقلب ،الذي تقع موريتانيا ضمنه، ابتكر الانسان الموريتاني هذا الزي المناسب لحالتي الحر و القر.
ومنذ قدوم الاستعمار إلى هذه الربوع ظهرت "البدلة" الزي الرسمي الموحد في العالم، كل العالم، وهي بدورها زي يستجيب للخصوصية المناخية الأوربية لكنه احتل الصدارة في الذوق الجمعوي الدولي، مدفوعا بميكانيزمات العولمة ، و إن كان الإيرانيون لا يزالون يمانعون في تلاومه مع ربطة العنق، كنوع من المقاومة الخجولة جدا للإمبريالية الغربية.
لكن الموريتانيين استوعبوا البدلة الأوربية بكل شروطها غير النهضوية طبعاً
اخبار انيارك